مقالات

الجرذان والكلاب تتفوق على أدق المعدات المختبرية في اكتشاف أمراض

نشرت بتاريخ 20 يوليو 2024

حاسة الشم القوية عند هذه الحيوانات قد تعزز دقة رصد بعض الأمراض مثل السرطان والسل.

سارة دِيوِردِت

باستخدام حاسة الشم، يبرع الجرذ الإفريقي الجرابي العملاق في تمييز العينات المصابة بمرض السل بين عينات اللعاب البشرية.
باستخدام حاسة الشم، يبرع الجرذ الإفريقي الجرابي العملاق في تمييز العينات المصابة بمرض السل بين عينات اللعاب البشرية.
Credit: APOPO

على مدار جميع أيام الأسبوع، ينتشر فريق من السعاة على دراجاتهم النارية بين 80 عيادة إكلينيكية في مناطق شتى من دولة تنزانيا، في مهمة لجمع عينات لعابية من أشخاص يظهرون أعراضًا تنم عن الإصابة بالسل (TB). وبعد جمع العينات، يعمل الفريق على تسليمها إلى مختبر مركزي تديره منظمة « أبوبو» Apopo غير الربحية البلجيكية، في مدينة دار السلام التنزانية. وهناك، لإخماد نشاط العينات، يجري تسخينها لقتل البكتيريا المسببة للسل فيها، ليفحصها لاحقًا فريق من خبراء تحليل العينات تحسبًا لوجود أدلة بها تُنذر بإصابة بالسل.

هذه الجهود، وغيرها من البرامج المماثلة في موزمبيق وإثيوبيا، ترفع عادة معدلات اكتشاف حالات الإصابة بالسل بحوالي 40%، مقارنة بالطرق التي تنتهجها العيادات الإكلينيكية المحلية. غير أن خبراء تحليل العينات المدربين في مختبرات مؤسسة «أبوبو»، المسؤولين عن هذا النجاح، لا يأبهون لذلك الإنجاز على الأرجح. فهم ليسوا علماء أو أطباء يعملون بدافع من قلق أو من حب لخير الإنسانية أو رغبة في بناء المجد على الساحة العلمية. هم: جرذان من نوع الجرذ الإفريقي الجرابي العملاق Cricetomys ansorgei، ويعملون على اكتشاف العينات المصابة بالسل بالشم. ورشفة من عصير الموز أو الأفوكادو كفيلة بأن تخلق لديهم كل الدافع لأداء هذه المهمة.

يرى تيفيرا أجيزو، مدير برنامج مؤسسة «أبوبو» لمكافحة السل، أن هذه الجرذان قد تساعد في القضاء على هذا المرض. وهي جزء من اتجاه أخذ يتكشف على مدار العقدين الماضيين، تُستخدم فيه الحيوانات لاكتشاف طيف من المُمْرِضات والأمراض مثل سرطان الرئة والملاريا و«كوفيد-19». وقد انطلقت هذه الجهود بفضل ما أورده طيف من المصادر، تنوعت ما بين الإفادات الشفهية وإثباتات من الدراسات وتجارب متطورة، بل ومن بعض التطبيقات الإكلينيكية.

ولاستخدام الجرذان عدة مزايا تتفوق بها على الفحوص المجهرية لاكتشاف البكتيريا المسببة للسل في العينات اللعابية. فبادئ ذي بدء، أنوفها أكثر دقة في اكتشاف الإصابة بالسل. كما أنها تؤدي مهمتها سريعًا، فتفحص 100 عينة في غضون 20 دقيقة فحسب. وبحسب ما يفيد أجيزو: "إنجاز ذلك قد يستغرق 4 أيام من فنيي المختبرات". علاوة على أن هذه الفحوص التشخيصية القائمة على الجرذان زهيدة التكلفة، بحسب ما يضيف أجيزو، إذ إن تكلفتها تربو بقدر ضئيل على الدولار لقاء العينة الواحدة.

غير أن تطوير فحوص تشخيصية تعتمد على الحيوانات مليء بالتعقيدات. فمع أن أحدث الدراسات في هذا الصدد تدعم ما أشير إليه مبدئيًا من أن الحيوانات تتمتع بقدرات شمية مذهلة، تشدد هذه الدراسات أيضًا على صعوبة توسعة نطاق الفحوص التشخيصية المعتمدة على الحيوانات وطرحها على أرض الواقع.

روائح مميزة

قد يبدو الاعتماد على الحيوانات لاكتشاف الأمراض بالشم فكرة مستبعدة، غير أن الآلية التي ترتكز عليها هذه المنهجية لديها أساس متين في الواقع. إذ ينتج الجسم طيفًا من المركبات العضوية المتطايرة (VOC) التي تنفذ عبر الجلد والسوائل الجسمية والزفير، ويحملها الهواء إلى أن تصادف مستقبلًا شميًا في أنف يتمتع بالقدرة الكافية على استشعارها والتنبه لها.

وجميع الأمراض قد تُعدِّل نوع المركبات العضوية المتطايرة الموجودة في الجسم، ومقدار تركيزها. فكل خلل يدب في الجسم تقريبًا "يترك أثرًا من الجسيمات المتطايرة، يمكن التفتيش عنه"، بحسب ما يوضح أندرياس ميرشين، المسؤول العلمي الرئيس بشركة «ريل نوز» RealNose، وهي شركة صاعدة كائنة في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية، تعمل على تطوير أنف إلكتروني قادر على تشخيص الإصابة بسرطان البروستاتا، وأمراض أخرى في نهاية المطاف. ويستطرد ميرشين قائلًا: "عالم الجزيئات يتيح ثروة من المعلومات".

في الواقع، لطالما استُخدمت الروائح المنبعثة عن الجسم كمفتاح لتشخيص الأمراض على سبيل المثال، تُنذر رائحة الأسيتون في أنفاس الأشخاص بإصابتهم بالحماض الكيتوني السكري، كما أن رائحة الجلد المتعفن عند انبعاثها عن جرح في أحد أطراف الجسم، هي علامة مؤكدة على الإصابة بالغنغرينا (موت الأنسجة).  فضلًا عن أن حيوانات الجرذ الإفريقي الجرابي العملاق ليست حتى أولى الحيوانات التي تتعرف على رائحة مميزة للإصابة بالسل. ففي اللغة الهولندية، يُشار إلى هذا المرض باللفظة tering والتي تشير إلى رائحة شبيهة برائحة القار، لاحظ الأطباء انبعاثها من أجسام المرضى المصابين بهذا المرض.

غير أن العديد من الحيوانات يملك حاسة شم أقوى كثيرًا من البشر. على سبيل المثال،  أنوف الكلبيات قد تكون أقدر على استشعار الروائح من أنوف البشر بما يصل إلى 100 ألف ضعف. إذ تملك الكلاب 200 مليون مستقبلًا شميًا فأكثر في أنوفها مقارنة بخمسة ملايين مستقبل شمي يمتلكها البشر، كما تعالج المعلومات الشمية لديها مناطق دماغية أكبر نسبيًا من تلك التي يمتلكها البشر.

بدأت مؤسسة «أبوبو» كبرنامج يهدف إلى استخدام الجرذان للمساعدة في اكتشاف الألغام، وساعدت هذه الحيوانات على جعل مساحة تربو على 240 كيلومترًا مربعًا، في منطقة حرب سابقة، آمنة للمجتمعات المحلية. لكن، كما تفيد  سينثيا أوتو، مديرة مركز بنسلفانيا البيطري للكلاب العاملة، التابع لجامعة بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا الأمريكية، فإن اكتشاف الأمراض بالشم أصعب كثيرًا من العثور على متفجرات أو بضائع محظورة، حتى بين أقدر الحيوانات على استشعار الروائح والتنبه لها. وتعلل لذلك بأن "اختلاف الرائحة (في حالة المرض) يكون طفيفًا في بيئة تضج بعوامل التشويش". وتشبه مهمة الكلاب عندئذ بالسعي إلى حل لغز محير في أحد كتب سلسلة الألغاز الشهيرة «أين والي؟» Where's Wally.

على أن الآلية التي تُحفز بين الحيوانات استجابة أو أخرى للمواد الكيميائية الكاشفة عن مرض ليست معروفة تحديدًا. ومع العديد من الأمراض، فتش الباحثون الإفرازات الجسمية مثل العرق والبول بحثًا عن مركبات عضوية مميزة تُؤشر على المرض، غير أن هذه الفحوص لا تسفر دومًا عن نتائج واضحة. على سبيل المثال، اكتشف فريق الباحثين في مؤسسة ‏‏«أبوبو» 13 من المركبات العضوية المتطايرة التي تميز الإصابة بالسل1. لكن عندما عُرض كل من هذه المركبات على حدة على الجرذان، لم تتعرف الحيوانات على رائحة المركبات أو تتنبه إلى أنها تلك المميزة للإصابة بالسل. كما لم تبدر منها استجابة إلى خليط من جزيئات ثلاثة من هذه المركبات. لكن مع خلط جزيئات ستة من هذه المركبات، بأي طريقة تقريبًا، تعرفت الجرذان على الرائحة وتنبهت إلى أنها تلك التي دُربت على أن تتوقع مكافأة من عصير الموز أو الأفوكادو لقاء تمييزها.

وما يجعل الرقم ستة هنا الرقم السحري، يبقى مبهمًا، لكن البعض يرى أن هذا ليس بالمهم. ومنهم أوتو، التي تقول: "يرى الكثيرون أنه لا يمكن تدريب الكلاب دون معرفة بالمادة الكيميائية المراد الكشف عنها. والجواب على ذلك هو: بلى بالإمكان ذلك. فالكلاب لا تأبه لماهية هذه المادة الكيميائية، وهي قادرة على اكتشاف أنماطها".

قوة عمل من الكلاب لاكتشاف السرطان

ظهرت إفادات شفهية بقدرة بعض الحيوانات على اكتشاف الأمراض في عام 1989. وجاءت على غرار قصص عن تكرار بعض الكلاب شم أو لعق مواضع من أجسام أصحابها، تبين أنها مصابة بسرطان الجلد. وخرجت إلى النور أولى الدراسات العلمية الرسمية لتقصي هذه الظاهرة في عام 2004، عندما أثبت فريق من الباحثين أن الكلاب نجحت في جميع الحالات في اكتشاف سرطان المثانة بالشم2. من هنا، في عام 21008، أسس باحثان مشاركان في الدراسة «منظمة كلاب اكتشاف الأمراض الطبية» Medical Detection Dogs في مدينة ميلتون كينز بالمملكة المتحدة، وهي إحدى أولى المنظمات التي تكرس جهودها لهذا المسعى.  وبعد عدة سنوات، نبهت كلبة باسم دايزي من قوة العمل تلك، ومن فصيلة لابرادور ريتريفر الكلبية، كلير جيست المؤسسة المشاركة لهذه المنظمة إلى نوع شرس من الأورام السرطانية في ثديها. ما أدى إلى اكتشاف الورم مبكرًا ونجاح علاجه.

وقد برهن طيف من الدراسات المماثلة على أن الكلاب والجرذان وحتى اللافقاريات مثل الجراد والنمل والديدان الأسطوانية تتمتع بقدرة على التعرُف على رائحة أمراض مُعدية مثل السل، والإصابة بالمكورة العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين، وعدوى الجهاز البولي، والإصابة ببكتيريا المطثية العسيرة و«كوفيد-19»، وبكتيريا الملوية البوابية. إذ اكتشفت كافة هذه الأمراض بالشم. كذلك ثبت أن بإمكان بعض الحيوانات اكتشاف العديد من أنواع الأورام السرطانية من بول المريض، وأنفاسه، ولعابه، وإفرازاته الجلدية، ومزرعة خلاياه وبرازه ودمه، وعينات أنسجته.

على سبيل المثال، في دراسة أُجريت عام 2019، طلب فريق من الباحثين في فرنسا من 36 امرأة مصابة بسرطان الثدي و51 من المتطوعين الأصحاء النوم بحشوة ماصة للعرق على أثدائهم3. ثم، سُلمت الحشوات إلى مختبر، دُرب فيه كلبان على تمييز عينة واحدة لإحدى النساء المصابات بسرطان الثدي من مجموعة من خمس عينات، وكأنهم يميزون صاحب جريمة من عينة من المشتبه بهم. ونجحت الكلاب بنسبة 90% في تمييز الروائح المُميزة للمرض في العرق المُفرز من النساء.

إيزابيل فرومانتين هي رئيسة مشروع «كيه دوج» KDOG لرصد الأورام السرطانية.

إيزابيل فرومانتين هي رئيسة مشروع «كيه دوج» KDOG لرصد الأورام السرطانية.
Credit: KDOG-Curie

وهذا الإجراء قد يُستخدم كوسيلة فحص أقل إزعاجًا من فحوص التصوير الشعاعي للثدي أو كبديل لهذه الفحوص في المناطق شحيحة الموارد، بحسب ما تفيد إيزابيل فرومانتين، وهي ممرضة في معهد كوري في  باريس ومديرة لمشروع «كيه دوج» KDOG الذي يعمل على تطوير اختبارات تستخدم الكلاب للكشف عن الأورام السرطانية في الثدي.

غير أن نقل الاستعانة بالكلاب إلى حيز الممارسة الإكلينيكية تبين أنه صعب. ففي الفحوص - حسبما تفيد ميشيل ليمانز، التي شاركت في مشروع «كيه دوج»، والتي تعمل اليوم باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة في المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية (INSERM) في مدينة كريتيل الفرنسية - قد يتألف العديد من صفوف العينات من عينات تخلو تمامًا من أي أورام سرطانية. و"هذا قد يضفي المزيد من الصعوبة على تدريب الكلاب"، حسبما توضح. فمن الصعب الإبقاء على حماسة الكلاب لمهمة تقييم العينات تقييمًا دقيقًا، عند مكافأتهم فقط حال اكتشاف العينات المصابة، والتي لا تظهر إلا قليلًا وعلى فترات متباعدة. وتشير بيانات لم تنشر بعد من تجربة أكبر تابعة لمشروع «كيه دوج» أن الكلاب تواجه صعوبة في اكتشاف العينات في ظروف العالم الواقعي.

ينبغي كذلك للباحثين ومدربي الكلاب الحرص على عدم إفشاء خيوط تعطي الكلاب بغير قصد لمحة عن الحل. على سبيل المثال، استخدم الباحثون التابعون لمشروع «كيه دوج» ترميزًا لونيًا لعدد من الأكواب، التي أخفوها عن الكلاب في غرفة مجاورة، بهدف متابعة العينات المصابة وغير المصابة. غير أن أحد الكلاب فطن إلى أن بإمكانه النظر إلى الأكواب عبر النافذة الفاصلة بين الغرفتين، إن وقف على ساقيه الخلفيتين واستند بقدميه الأماميتين على شخص. تعقيبًا على ذلك تقول فرومانتين: "عندئذ، تحسب إنه لكلب جم اللطف. إذ يرغب في رؤيتك وإلقاء التحية عليك، لكن لا، ما يريده هو رؤية العينة المصابة". وقد أجرى باحثون ومن بينهم فرومانتين وليمانز مراجعة بحثية لنتائج أكثر من 60 دراسة حول قدرة الحيوانات على اكتشاف الأمراض، ووجدوا أن عددًا قليلًا فقط استخدم إجراءات تعمية محكمة لتجنب الوقوع في أخطاء مماثلة4.

أما الجهود الرامية إلى الاستعانة بالجرذان في هذا السياق، فتسفر عن نتائج أفضل. على سبيل المثال، قُدرت نسبة دقة الجرذان في اكتشاف الإصابة الحقيقية بمرض السل ونسبة تجنبها التشخيص الخاطئ بالإصابة بهذا المرض عند 81% و73% على الترتيب، في تحليل تجميعي أجري عام 2021 لنتائج سبع دراسات5 تستخدم هذه الحيوانات في الكشف عن المرض.  وهو ما تعلل له سيندي فاست مديرة شؤون التدريب والأبحاث السلوكية في مؤسسة «أبوبو» قائلة: "تقنع الجرذان بأداء المهام المتكررة أكثر من الكلاب. من ثم، تميل إلى الاحتفاظ بموثوقية أدائها على مدار دورات فحص العينات وعلى مدار أيام" بالإضافة إلى ذلك، فنظرًا إلى أن الجرذان أصغر حجمًا وتكبد تكلفة أقل في العناية بها من الكلاب، قد تستعين المنظمة بفرق من خمس إلى عشر قوارض لتقييم كل عينة، وهو ما يعزز موثوقية النتائج.

وبين عامي 2013 و2023، فحص البرنامج قرابة مليون عينة لعابية واكتشف أكثر من 30 ألف حالة إصابة بالسل، فات على العيادات المحلية اكتشافها. وتقدر المنظمة أن الجرذان ساعدت في الحيلولة دون وقوع قرابة 364 ألف حالة عدوى تحدث بالتبعية بين أفراد أسر أو زملاء عمل من اكتُشفت إصابتهم بالسل.

وفي محاولة لتعزيز موثوقية اختبار الكشف عن المرض، ابتكرت مؤسسة «أبوبو» أقفاصًا أوتوماتيكية بحيث يُمكن للجرذان تقييم العينات دون أية تفاعلات مع البشر. وتأمل المنظمة أن تدعم هذه الاستراتيجية جهودها للحصول على اعتماد منظمة الصحة العالمية. وإلى حين تحقيق ذلك، من المزمع الاستمرار في استخدام هذه التقنية كخط ثان في عمليات الفحص، يُتبع بأساليب الفحص المختبرية التقليدية.

الكلاب تخرج من الرهان

إحدى العقبات التي تعترض توسعة نطاق عمليات التشخيص بالاستعانة بالحيوانات المدربة تتمثل في ضعف المعروض من هذه الحيوانات، لا سيما الكلاب. إذ يتطلب تدريب هذه الحيوانات وقتًا وموارد، ما يثير مخاوف من احتمالية عدم كفاية المتوفر منها للفحوص وعمليات رصد الإصابة بالسرطان على نطاق واسع.

من هنا، يسعى الباحثون في مؤسسة «كيه دوج» إلى الوقوف على المركبات العضوية المتطايرة التي تميز الإصابة بالسرطان، بهدف إنتاج عينات روائح مُخلقة. وهذه العينات قد تخدم كمورد تدريبي ثابت يتوفر بسهولة لصقل مهارة الكلاب، ومن ثم تعزيز جدوى مشروعات الاستعانة بها.

هكذا يأمل بعض الباحثين، لكن آخرين منهم يأملون في خروج الكلاب تمامًا من المعادلة. فيقول ميرشين من شركة «ريل نوز» "لنتخلص من قالب العمل القائم على الكلاب، وندمج آلياتها في تقنياتنا".

وقد سعت فرق عديدة إلى ترجمة السمات الكيميائية المميزة لطيف من الأمراض لإنتاج اختبارات تشخيصية تعتمد على المركبات العضوية المتطايرة من الجسم، ومن أمثلة هذه الجهود، عدة مساع متواصلة لتطوير اختبار للكشف عن سرطان الرئة من أنفاس المريض. والهدف من هذه المحاولات هو تحليل مكونات العينات. أما ميرشين، فيسعى إلى "ابتكار آلات تتعرف على الروائح التي تفوح من الأشياء، وليس على مكونات الأشياء"، على غرار الكيفية التي يمكن بها لعديد من الأشخاص التعرف فورًا على رائحة القهوة أو رائحة السيارات الجديدة دون معرفة بالمكونات الجزيئية لهذه الروائح. وهو ما يوضحه ميرشين بقوله: "مبحثنا هو الفضاء الإدراكي وليس الكيمياء التحليلية".

وتصميمات شركة «ريل نوز» تستخدم نسخًا بروتينية من المستقبلات الشمية الخاصة بالثدييات بعد تثبيتها على لوح دارات إلكترونية بهدف رصد الروائح، كما تستعين بخوارزميات تعلُم آلة للتعرف على هذه الروائح. وفي دراسة6، نُشرت عام 2021، تعاون ميرشِن، الذي كان آنذاك عالم فيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، مع كلاب فحص طبي وعلماء من عدة مؤسسات وجامعات أخرى بهدف الاستعانة بالكلاب في تطوير اختبار للكشف عن مرض سرطان البروستاتا. وفحصت الدراسة 50 عينة بول. وقد جاء بعض هذه العينات من مصابين بسرطان البروستاتا وبعضها جاء من أشخاص غير مصابين بهذا المرض. بعدئذ، استخدم الفريق البحثي تشخيصات الكلاب لتدريب شبكة عصبية اصطناعية على اكتشاف أنماط في بيانات العينات المصابة بالمرض، سجلتها تقنية قياس الطيف الكتلي المقترن بالتفريق اللوني الغازي.  وهذه الأنماط، عوضًا عن الدلالة على وجود أو غياب واسمات حيوية بعينها، تعبر عن "رائحة" تميز الإصابة بسرطان البروستاتا، يتنبه لها الكلاب غريزيًا.

وقد حصلت شركة «ريل نوز» على تمويلات رأسمالية استثمارية بقيمة تربو على المليون دولار أمريكي في مستهل عام 2024، وهو مبلغ كاف لتصميم نموذج تجريبي لأنف إلكترونية، واعتمادها خلال عام، بالتدريب على حوالي 100 عينة مصابة بسرطان البروستاتا.

فريق يراهن على الكلاب

لكن يظل البعض يراهن على قدرة الحيوانات. ويرى باحثون أن منافع "قالب العمل القائم على الكلاب" تفوق عقبات الاستعانة بهذه الحيوانات.

Credit: ABACA/Shutterstock

ومن هذا المنطلق، تأسس برنامج «كلبيات لدعم الرعاية الطبية» Canines for care في مؤسسة «فانكوفر كوستال هيلث» Vancouver coastal health، الكائنة في كندا. وهو برنامج يستعين بكلاب الفحص الطبي لاكتشاف مصادر التلوث ببكتيريا المطثية العسيرة في المستشفيات منذ عام 2016. وهذه البكتيريا هي السبب الأكثر شيوعًا لعدوى التهاب المعدة والأمعاء الناشئة في المستشفيات، والتي قد تشكل خطرًا بالغًا بل وتهدد بالوفاة في حال المصابين بضعف المناعة وكبار السن.

وبتعبير تيريزا زوربيرج، المؤسسة المشاركة للبرنامج واختصاصية تدريب كلاب الفحص الطبي، دون الكلاب "ما من طريقة مجدية على الصعيد اللوجستي" لمسح منطقة بحجم غرفة مستشفى للكشف عن بكتيريا المطثية العسيرة. إذ سيتطلب ذلك جهودًا مضنية تُنفق في أخذ مسحات تُجمع من الحوائط، ثم في الانتظار لأسبوع إلى حين استنبات هذه العينات على أطباق استزراع مختبرية. بالمقارنة، تقول زوربيرج: "بإمكاني أن أصحب كلبًا إلى غرفة المريض ذاتها ليفحص في غضون خمس دقائق غرفة المريض بأسرها".

وتؤكد هذا دراسة7 أُجريت في عام 2017 أفاد فيها فريق برنامج «كلبيات لدعم الرعاية الصحية» أن كلاب البرنامج نجحت في اكتشاف جميع العينات المصابة بالمطثية العسيرة المخبأة في عنبر بأحد المستشفيات. كذلك نبهت الكلاب خلال 49 يوم عمل إلى 83 موقعًا يُحتمل تلوثه ببكتيريا المطثية العسيرة في وحدة رعاية إكلينيكية. في هذا الإطار، تقول إليزابيث برايس، وهي مؤسسة مشاركة للبرنامج: "نسلك هنا المقاربة ذاتها، التي كنا سنسلكها في التقييمات المختبرية، بالدقة العلمية ذاتها، فنتساءل: هل تتمتع الكلاب بالقدرة نفسها على التمييز وبالدقة ذاتها التي تميز الفحوص المختبرية؟ وهل أمدتنا بنتائج موثوقة؟".

والكلاب، شأنها شأن البشر، لا تكون عادة مهددة بالعدوى بالبكتيريا إلا إذا كانت تعاني ضعفًا مناعيًا. من ثم، تشكل هذه المهمة بالكاد خطرًا على فرق الكلاب التي تتمتع بصحة جيدة. وعندما تعثر الكلاب على مُلوث، عادة ما لا يطلق اكتشافها هذا ردة فعل دفاعية بين طاقم العمل، كتلك التي قد يطلقها تحذير من جهة إشراف. تعقيبًا على ذلك، تقول برايس: "الجميع يعشق هذه الكلاب.

وهذا الحب يسود على الجانبين. فهذا العام، أطلق فريق أوتو مبادرة عرفانًا بجميل الكلاب، تقوم على تدريب هذه الحيوانات على اكتشاف السرطان الوعائي الأحشائي، وهو نوع خبيث من الأورام السرطانية تشيع الإصابة به بين سلالات الكلاب العاملة، وقد أودى بحياة العديد من الحيوانات في برنامج بنسلفانيا للطب البيطري. وعن تأسيس البرنامج، تقول أوتو وولعها بالكلاب باد في نبرتها: "خطر لنا ببساطة أنه من الضروري لنا القيام بذلك". ومن ثم، فهذه الكلاب المدربة على حماية صحة البشر، قد يمكنها عن قريب الاعتناء ببعضها البعض.

يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالات«نيتشر أوتلوك» لمجال التشخيص الطبي (Nature Outlook: Medical diagnostics)، وهي ملحق يُنتج بدعم مالي من شركة «سيجين»Seegene. وتحتفظ دورية «Nature» بكامل الاستقلالية في قراراتها التحريرية في جميع المحتوى الذي تنتجه. يمكنك معرفة المزيد عن هذا المحتوى على هذا الرابط.

نُشر هذا المقال في دورية Nature بتاريخ 19  يونيو 2024

doi:10.1038/nmiddleeast.2024.221


1.   Mgode, G. F. et al. Tuberculosis 92, 535–542 (2012).

2.   Willis, C. M. et al. BMJ 329, 712 (2004).

3.   Thuleau, A. et al. Oncology 96, 110–113 (2019).

4.   Bauër, P. et al. Integr. Cancer Ther. 21, 15347354221140516 (2022).

5.   Kanaan, R. et al. Sci. Rep. 11, 1877 (2021).

6.   Guest, C. et al. PLoS ONE 16, e0245530 (2021).

7.   Bryce, E., Zurberg, T., Zurberg, M., Shajari, S. & Roscoe, D. J. Hosp. Infect. 97, 140–145 (2017).