أخبار

أدوية للسِّمنة تمنحك شعورًا بالشبع دون تناول لقمة واحدة

نشرت بتاريخ 22 يوليو 2024

اهتدى العلماء إلى منطقة في الدماغ تحوي فئتين من الخلايا العصبية: إحداهما مسؤولة عن شعور الشبع دون تناول الطعام، والأخرى تختص بالشبع بعد تناوله.

ماريانا لنهارو

عقار «ليراجلوتايد»، المطروح في الصيدليات باسمين تجاريين هما «فيكتوزا» و«ساكسيندر»، يعمل على ثني الجزيئات في منطقة بعينها من الدماغ، لتوليد شعور بالامتلاء.
عقار «ليراجلوتايد»، المطروح في الصيدليات باسمين تجاريين هما «فيكتوزا» و«ساكسيندر»، يعمل على ثني الجزيئات في منطقة بعينها من الدماغ، لتوليد شعور بالامتلاء.
Credit: Kristoffer Tripplaar/Sipa USA/Alamy

جرعة واحدة من من الدواء «ويجوفي» Wegovy، أو أدوية إنقاص الوزن المماثلة، كفيلة بأن تُشعر الشخص بالامتلاء، وإنْ جلس إلى مائدة طعامه فلم يتناول لقمةً واحدة. وها هم العلماء يتوصلون إلى منطقة دماغية مسؤولة عن هذا التأثير، أو مُشارِكة في إحداثه، فتسهم بذلك في إنتاج هذا الشعور دون حاجةٍ إلى أدوية إنقاص الوزن.

ففي ورقة نشرتها دورية «ساينس» Science1، عرض فريق من العلماء اكتشافهم فئتين من الخلايا العصبية المرتبطة بشعور الشبع أو الامتلاء: فئة مسؤولة عن الشبع دون طعام، وأخرى مسؤولة عن الشبع بعد طعام. وأبانت الدراسة أن هذه الأدوية، التي تعدُّ قفزة هائلة في مجال مكافحة السمنة، تستهدف الخلايا العصبية المسؤولة عن الشعور بالشبع؛ ولو أننا – كما قال الباحثون – لا نزال بحاجةٍ إلى مزيد من الدراسات التي تبحث في الآليات البيولوجية التي ينطوي عليها عملُ هذه الأدوية.

وفي تعليقٍ أدلت به أليسون شابيرو، وهي باحثة لم تشارك في الدراسة المذكورة، متخصصة في النمو العصبي بالحرم الطبي لجامعة كولورادو أنشوتس، الكائن بمدينة أورورا الأمريكية، ذكرت أن الإنجاز الأهمَّ لهذه الورقة البحثية يتمثَّل في اكتشاف فئتَي الخلايا العصبية المشار إليهما آنفًا. وهي ترى أن نتائج الدراسة لا تبعُد كثيرًا عن التصور الدارج، القائل بوجود نوعين من الشبع: شبع توقُّعي (anticipatory)، والشبع الذي يتأتَّى بعد تناول الطعام. تقول: "يبدو، وفقًا لما خلُص إليه الباحثون من دراستهم، أن جزءًا بعينه من منطقة ما تحت المهاد هو المسؤول عن شعور الشبع بنوعيه. وهي نتيجة لافتة حقًا".

شبعٌ بلا طعام

أدوية السِّمنة التي أسلفنا الإشارة إليها تحاكي في مفعولها هرمونًا يسمَّى «الببتيد الشبيه بالجلوكاجون 1» GLP-1، وهو المسؤول عن التحكُّم في مستويات سكر الدم، ويرسل إلى الدماغ إشارةً مثبِّطةً للشهية. ومن بين العقاقير التي تحاكي عمل هذا الهرمون، عقار «سيماجلوتايد» semaglutide (المطروح في الصيدليات تحت اسم «أوزمبك» Ozempic لعلاج النوع الثاني من داء السكري، وتحت اسم «ويجوفي» لإنقاص الوزن)؛ ومن هذه العقاقير أيضًا عقار «ليراجلوتايد» liraglutide، الذي يُباع بالاسم التجاري «ساكسيندا» Saxenda لإنقاص الوزن، و«فيكتوزا» Victoza لعلاج داء السكري من النوع الثاني. والعقاران كلاهما من إنتاج شركة نوفو نورديسك Novo Nordisk، الكائن مقرُّها في مدينة باوسفيرا الدنماركية.

اختبر الباحث المشارك في الدراسة، هيونج تشِن تشوي، المتخصص في علم الأعصاب بجامعة سول الوطنية، تأثيرات العقار «ليراجلوتايد» بنفسه، بعدما تناوله بُغية إنقاص الوزن. يقول: "داهمني الشعور بالشبع والامتلاء بقوة بمجرد رؤية الطعام أو شَمِّ رائحته، حتى قبل الشروع في تناوُله". وهذا ما حدا به إلى التعمُّق في بحث الشعور بالشبع قبل تناوُل الطعام.

أتى تشوي وفريقه بعددٍ من أصحاب السِّمنة، وطلبوا إليهم تسجيل مستوى شعورهم بالشبع عند ثلاث مراحل: قبل موعد تناول الطعام، وعند النظر إلى وجبةٍ شهية من الدجاج المقلي على الطريقة الكوريّة قُبيل تناوُلها، وبعد الانتهاء منها. لوحظ أن المشاركين المداومين على تناول عقار «ليراجلوتايد» راودهم شعور الشبع في المرحلة الأولى (قبل موعد تناوُل الطعام)، لكن هذا الشعور نما عندما عُرض عليهم الطعام، ثم زاد مرةً أخرى بعد تناول الوجبة. وهكذا، أظهرت نتائج الدراسة أن تشوي ليس الوحيد، ممن يتناولون العقار، الذي يشبع لمجرد رؤية الطعام؛ وهو الشعور الذي أطلق عليه العلماء: الشبع السابق على الأكل (preingestion satiation).

أما المشاركون الذين لم يتناولوا العقار، فقد انخفض منسوب شعورهم بالشبع لدى رؤية وجبة الدجاج المقلي، ثم لم يرتفع مرةً أخرى إلا بعد انتهائهم من تناول الطعام.

ومن أجل الاهتداء إلى المنطقة الدماغية المسؤولة عن هذا الشعور، وقع اختيار الباحثين على منطقة ما تحت المهاد الظهرية الوسطى (DMH)؛ ذلك أن لدى الخلايا العصبية في هذه المنطقة مستقبِلات للببتيد GLP-1، ما يُفسح المجال أمام هذا الببتيد للعمل مباشرة في هذا الجزء من الدماغ.

عمد الفريق إلى حَفْز الخلايا العصبية في المنطقة الدماغية آنفة الذكر لدى الفئران بينما كانت منهمكة في تناول طعامها، فما كان من الفئران إلا أن توقَّفت عن الطعام في الحال. ومما لاحظه الباحثون أنه عند تحفيز هذه خلايا تحفيزًا دائمًا، كانت الفئران أقلَّ إقبالًا على الطعام عمومًا؛ وعند تثبيطها تثبيطًا دائمًا، باتت أكثر إقبالًا عليه. ومن ذلك كلِّه خلُص العلماء إلى أن لهذه المنطقة الدماغية دورًا محوريًّا في التحكُّم في الشعور بالشبع.

خلايا عصبية تقول للطعام: لا مزيد!

ما إن تثبَّت فريق الباحثين من هذه النتيجة حتى حوَّل تركيزه إلى دراسة نشاط الخلايا العصبية المُفردة في منطقة ما تحت المهاد الظهرية الوسطى لدى الفئران. واستطاعوا أن يضعوا أيديهم على فئتين من الخلايا العصبية: فئة تَنْشط دائمًا من لحظة بحث الفئران عن الطعام حتى البدء في تناوُله، والأخرى لا تنشط إلا في أثناء تناوُل الفئران طعامها.

وإلى ذلك، برهن الفريق على أن العقاقير المحاكية للببتيد GLP-1 تفعل مفعولها في منطقة ما تحت المهاد الظهرية الوسطى. فقد تبيَّن لهم أن الفئران التي أُعطيَتْ عقار «ليراجلوتايد» كان نشاطها العصبي في هذه المنطقة الدماغية، قبل تناول الطعام وفي أثناء تناوله، أعلى من النشاط المرصود في غيرها من الفئران التي لم تُعطَ العقار. وعندما أزال الباحثون مستقبلات الببتيد GLP-1 من بعض الخلايا العصبية التي تحويها هذه المنطقة الدماغية لدى الفئران، بما يثبِّط من مفعول العقار «ليراجلوتايد» فيها، لوحظ أن هذه الفئران كانت أكثر إقبالًا على تناول الطعام من فئران أخرى كانت المستقبِلاتُ فيها على حالها، في إشارة إلى أن قدرة العقار المذكور على كبح الشهية أصبحت أضعف.

من جهتها، أفادت كارولينا سكيبيكا، عالمة الأعصاب بجامعة ولاية بنسلفانيا، بالولايات المتحدة، وجامعة جوتنبرج، بالسويد، أن دراسات أخرى لما تنته إلى حدوث مثل هذه التغيُّرات في السلوك الغذائي بعد إدخال تعديلات على مستقبلات ببتيد GLP-1 في هذه المنطقة الدماغية2. ولعل السبب وراء ذلك، أو أحد الأسباب، مردُّه إلى وجود فئتي الخلايا العصبية اللتين اكتشفهما فريق الدراسة موضع النظر في منطقة ما تحت المهاد الظهرية الوسطى. تقول سكيبيكا: "نحن نميل إلى النظر إلى الخلايا العصبية المعبرة عن مستقبلات ببتيد GLP-1 في منطقة دماغية بعينها على أنها فئة متجانسة من الخلايا، تؤدي الدور نفسه؛ وهذه الورقة تُظهر بجلاء أن هذا تصور غير دقيق. نعم، هي منطقة دماغية واحدة، لكن مستقبلات الببتيد GLP-1 التي تحملها الخلايا العصبية تؤدي أدوارًا مختلفة".

وذكرت أمبر ألهادف، باحثة علم الأعصاب بمركز مونيل للحواس الكيميائية في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا الأمريكية، أن الدراسة تشهد بوجود اتساق بين ما رُصد في حالتَي البشر والفئران. وأضافت أنه قد أصبح من الأهمية بمكان اللجوء إلى الملاحظة الإكلينيكية لتهتدي بها الأبحاث التي تتمحور حول الأدوية المحاكية للببتيد GLP-1. واستدركت قائلة: "لكن في هذه الحالة، سيكون من المهم أيضًا العودة للتثبُّت من وجود هذه الآليات البيولوجية في الجسم البشري. ولنا أن نرى في هذه الورقة مثالًا جيدًا على السير في كلا الاتجاهين".

 

* هذه ترجمة للمقال الإنجليزي المنشور بدورية Nature بتاريخ 27 يونيو 2024.

doi:10.1038/nmiddleeast.2024.225


References:

1.    Kim, K. S. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.adj2537 (2024).2.    Lee, S. J. et al. Mol. Metab. 11, 33–46 (2018).